الراغب الأصفهاني
44
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
قال شاعر : ثلاثة أحباب فحب علاقة * وحبّ تملاق وحبّ هو القتل « 1 » وسئل بعض الصوفية عن الحب والهوى فقال : الهوى يحلّ في القلب والمحبة يحلّ فيها القلب . وقيل : العشق اسم لما يفضل من المحبة ، كما أن السخاء اسم لما جاوز الجود ، والبخل اسم لما قصر عن الاقتصاد ، والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة . وقال بعض الفلاسفة : الحب والعشق والهوى من جنس ، لكن العشق اشتهار وتضرع ، والوجد هو الحب الساكن الذي إذا رأى صاحبه شغف به وإذا غاب لهج بذكره ، والهوى ما تتبعه النفس « 2 » غيا كان أم رشدا حسنا كان أو قبيحا ولذلك ذمّه اللّه تعالى بقوله : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ « 3 » . الأسباب المولّدة للعشق زعم بعض المتفلسفين أن اللّه تعالى خلق الأرواح كلّها كهيئة كرة ثم قطعها أنصافا فجعل في كل جسد نصفا « 4 » . فكل جسد لقي الجسد الذي فيه نصفه حصل بينهما عشق وتفاوت حالهما في القوّة والضعف على حسب رقة الطبائع . وزعم بعضهم أن الصداقة على ثلاثة أنواع : إمّا لاتفاق الأرواح فيكون لاتفاق الشمس والقمر في المولّدين في برج واحد ، فلا يجد أحدهما بدّا من حب صاحبه ، وإمّا لمنفعة تحصل فتولد ذلك ، ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها وإما لألفة تجتمع مواد الحرص إليها ، ولهذا قال المتنبّي : وما العشق إلا غرّة وطماعة * يعرّض قلب نفسه فتصاب وقال الصمد المري : وما العشق إلا النار توقد في الحشا * وتذكى إن انضمت عليه الحوائج « 5 »
--> ( 1 ) الحبّ الذي هو القتل هو الذي يهلك صاحبه وفي هذا قول رجل من بني عذرة عن قومه إذا أحب أحدنا هلك ، إشارة إلى شدّة التعلّق والشغف والتدلّه . ( 2 ) غيّا : ضلالا ، وخلاف الغيّ الهواية والرشاد . ( 3 ) القرآن الكريم : ص / 26 . ( 4 ) قوله : « جعل في كل جسد نصفا » يدلّ على التأثر بالنظرة الأفلاطونية في الحبّ ، فقد ذهب أفلاطون إلى أنّ الإنسان كان يعيش في عالم علويّ ثم وقع في الخطيئة فأغضب الآلهة التي طردته من عالم المثال ، وهبطت به إلى عالم المادّة وشطرته إلى شطرين أو نصفين ، وأن السعادة لا تتم إلا إذا تلاقى الشطران وهذه الناحية عند أفلاطون تمثل ضربا من ضروب الحبّ ، وجانبا من فلسفته في هذا الباب . ( 5 ) تذكى النار : تتأجج .